أجدت وأفدت وكفيت ووفيت يا صاحبة الفضيلة
كريم إبراهيم
من نعمة الله على الإنسان: نعمة الرزق، وهو لا ينحصر في المادة، بل الرزق المعنوي الروحي والمدد الإلهي العلمي أعلى وأسمى وأحلى. ومن هذا: أن تجد أستاذك العالِمَ بحقٍّ (ويبدو أنني سألتزم كلمة بحقٍّ بعد لقب العالم؛ لأن (العلماء بغير حقٍّ!) ملأوا الدنيا، وبنظرة عجلى على اليوتيوب تجد أقوامًا متعالمين جهالا على مدار الساعة، لا تدري متى حصلوا هذه المعلومات والمعارف يتكلمون في كل شيء في الدين في كل صغيرة وكبيرة، فعلا من علامات الساعة أن يطلب العلم عند الأصاغر والأصاغر تعني اللفظ والمعنى والحقيقة والمجاز حلِّق حيث شئت فالمقصود بهم أولئك المتعالمون ولو كانوا أبناء مئة عام ما داموا لم يتلقوا العلم عن الأكابر، إن الذي لم يصحب شيخًا مربيًا صحبة طويلة يخرِّب في الغالب ويهدم ويدمِّر) =كَتَبَ كتابة شافية وافية أتت على كل ما في نفسك، وباحت بكل ما يعترك في صدرك، ويؤلم قلبك، ويعتصر فؤادك، ويشغل بالك؛ لأنك ترى أقوامًا تصدروا قبل أن يتأهلوا، وفي اعتقادي: أنهم لن يتأهلوا؛ لأنهم قاربوا الموت ولا يزالون يهرفون بما لا يعرفون، زاعمين أنهم من علماء الأمة، ولا يغرنك تدينهم واستقامتهم فالتدين والاستقامة شيء والعلم والفتوى وتوجيه الناس شيء آخر، وإذا سئل أحدهم: إنك تفتي في كلِّ شيء ودون تفكير وقبل أن يكمل السائل سؤاله قال: قد مرت علينا هذه المسألة مئات المرات! والعجيب أن بعض هؤلاء لا تخصص له فلم يتدرج لا في التعليم الرسمي ولا في التعليم على شيخ، هو ألَّف كتبًا أو قُلْ: جَمَعَ ورتَّبَ وقرأ كتبًا قراءةً سطحيةً وظنَّ أنه حين جَرَدَ فتح الباري وتفسير ابن كثير وفقه السنة والعقيدة الطحاوية ظن وزعم أنه أصبح مؤهلًا للكلام في كل شيء. ولا غرو ولا عجب فهو الطالب والمشرف وهو المناقشون الثلاثة، هو الشاهد والقاضي والمحامي! هو كل شيء. ولا يرى إلا نفسه ورأيه وله أن يقيِّم أي إنسان. ما هذا؟!
يا أخي حنانيك وعلى رسلك، والزم الصمت صدقة منك على نفسك وعلى المسلمين.
ليت أحدهم يسأل الله تعالى أن يمن عليه بأحد أوليائه الصالحين العلماء ويتعلم منه ويتأدب ما بقي من عمره. إننا رأينا أقوامًا يقولون: فلان كذا وفلان كذا، يتكلمون على علماء راسخين صالحين ربما كان أحدهم شيخا للجامع الأزهر، أو مفتيا للديار فقيها!
ملأوا الدنيا ضجيجًا وخلافا وشقاقا وأحزابًا ونحن اسمنا المسلمون. يجمعنا الإسلام والإيمان. يا هذا اطلب العلم وتعلم وسل الله الهداية وأيقن أنك لا تعرف شيئًا وأنك بحاجة ماسة إلى التعلم والتأدب.
النفس ملأى، والقلب مترع بالشكوى إلى الله جل وعلا من قومٍ شغلوا الأمة بما لا ينفعها، وشنعوا على أولياء الله وعلماء الأمة، وحذروا من العلماء بحقٍّ، وتصدروا بغير حق، وصدوا عن أهل العلم الذين أفنوا أعمارهم في تلقي العلم شيئا فشيئا.
وفي هذا الصدد يطيب لي أن أنقل مقال صاحبة الفضيلة أ.د. زينب عبد السلام أبو الفضل الفقيهة الأصولية المربية التي تجل الأدب والمؤدبين وتحترم المهذبين، وفي مقالها الشفاء بفضل الله والنصيحة المثلى لأولئك المشوَّشين المشوِّشين:
«ظاهرة التراشق بين نجوم البرامج الدينية في التلفاز وعبر قنوات التواصل الاجتماعي ظاهرة تحتاج إلى دراسة.
كل يدعي جهل الآخر وخطورته على الدين والدولة، وأنه فقط هو الموثوق في علمه لكونه تلقاه عن الثقات من أهل مذهبه.
لم نعد نسمع كلاما موزونا ولا معقولا ولا مؤثرا، بل أقول: لم نعد نجد ما يستحق أن يسمع.
لقد تعلمنا من أهل العرفان من مشايخنا: أن كل كلام يخرج من صاحبه وعليه كسوة القلب الذي منه خرج!!! فماذا في قلوبكم يا من تزعمون أنكم المتحدثون عن الله ورسوله حتى يبتليكم الله بهذه الألسنة الحداد؟ (هذه فائدة نفيسة من فضيلتها جديرة بالتأمل حرية بالوقوف عندها طويلًا، وهي أعلى وأوفى وأتم من مقولة: اللسان مغرفة القلب وأخواتها).
يؤسفني أن أقول لكم يا مشايخنا النجوم: لقد تسببتم في تحول ملايين الشباب عنكم إلى القنوات الإلحادية، حيث لا تراشق بالتهم ولا سِباب ولا أصوات مرتفعة صاخبة، وإنما حوارات هادئة يتفنن أصحابها في سبيل استمالة القلوب وإبهار العقول.
ثم تأملوا !!!هل سمعتم ملحدا يهاجم أهل مذهبه الفكري أو يتحدث عن أحد منهم بلهجة لا تليق؟
لقد توحد الجميع حول ما يتطلعون إليه من أهداف إلا أنتم، شقاق ونزاع ولدد في الخصومة وتسفيه للرأي والقناعات؟
لماذا كل هذه الكراهية؟ وما الذي تُصدرونه للناس؟ وماذا تنتظرون منهم؟
أعتقد أنكم لا ترجعون بطريقتكم هذه من الهجوم على مخالفيكم في الرأي إلا بمزيدٍ من المقت.
حقيقة أتمنى أن تجلسوا في بيوتكم صامتين فتلك صدقة منكم على أنفسكم وعلينا».



