شرقٌ تائه بين المذاهب والسياسة .. صرخة إنسان يبحث عن وطن

رشاد محمود التلاوي
في عالم تتهاوى فيه القيم، ويتصدّع فيه المعنى، يبقى الشرق الأوسط أوجع الأمكنة.
أرضٌ أنجبت الأنبياء والفلاسفة والشعراء، أصبحت اليوم سجينة الانقسام، غارقة في بحر من الدماء والكراهية.
لم يعد يؤلمني فقط عدم توحد بلدان هذه الرقعة الجغرافية المتعبة، بل يؤلمني أكثر أن أهلها — شيعة وسنة — يرون في انقسامهم حقًا، وفي اختلافهم نجاة.
كل طائفة تحمل يقينًا ثقيلًا، وتورث أبناءها “الحق” كأنه قطعة من السماء لا تقبل المراجعة. السنة يرون أنفسهم الفرقة الناجية، والشيعة يعتبرون أنفسهم أصحاب الولاء الحق. كلاهما محقّ بزعمه في عينه، وكلاهما أعمى تجاه الآخر. وبين هذا وذاك، يسقط الإنسان، وتُدفن الحقيقة تحت ركام التاريخ والسياسة.
أنا لا أتبرأ من الإسلام، ولا من الإيمان، ولا من تراث هذه الأمة، ولكنني أتبرأ من تحويل الدين إلى هوية صراع، ومن تسييس العقيدة لخدمة سلطات مستبدة أو مشاريع إقليمية.
أتبرأ من تلك العيون التي لا ترى في الآخر إلا تهديدًا، ومن تلك الألسن التي لا تنطق إلا بالحكم والتكفير والتخوين.
نحن لسنا طوائف، ولسنا مذاهب، نحن بشر.
الإنسان قبل المذهب، والكرامة قبل الطائفة، والرحمة قبل الفتوى.
ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا، ولكننا لا نراه لأننا اعتدنا النظر من خلال جدران عالية بناها الخوف والكراهية.
لقد علمتنا التجربة، مرارًا وتكرارًا، أن لا أحد يربح في صراع الطوائف.
جميعنا خاسرون: في الدم، في العمر، في الحلم.
أما المستفيدون الحقيقيون فهم أولئك الذين يبيعون الدين لأجل السلطة، والطائفة لأجل المال، والناس لأجل وهم النصر.
ربما قد آن الأوان أن نتوقف عن البحث عمّن هو “على حق”، وأن نبدأ في طرح سؤال آخر: كيف نعيش معًا؟
كيف نصنع شرقًا لا يُعرّف بأعدائه، بل بأحلام أبنائه؟
شرقٌ لا يطلب من أبنائه أن يختارو بين الدين والوطن، بين العقل والولاء، بل يمنحهم حرية أن يكونوا إنسانيين… قبل كل شيء.
ألا يمكن، ولو للحظة، أن نستيقظ من سكرتنا؟
أن نُسكت ضجيج الخلاف، ونضع جراح المذاهب جانبًا؟
كي لا تضيع البوصلة، وتتهاوى علينا الأمم، ونحن ما زلنا نتنازع على ظل الحقيقة… لا حقيقتها.



