الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

(الجزء الثاني) “السلطة”

العلاقة بين الشرعية والسلطة في الفكر السياسي الإسلامي: رؤية تحليلية مقارنه"

د. حسن السالمي

تُفسَّر كلمة “اقتدار” في اللغة الفارسية بمعنى «اكتساب القدرة، امتلاك القوة، أن يصبح الشخص قوياً أو قادراً». في معجم دهخدا، تم تفسير كلمة “اقتدار” على أنها «فلَك المنزلة وصاحب القوة، شخصٌ قوته كالسماوات» (دهخدا، 1376، 76).
في اللغة العربية، تُشتق كلمة “اقتدار” من مادة “قدر”، ويُعبَّر عنها بمعنى «القوة» (ابن منظور، 1369، 399). تُترجم كلمة “القوة” إلى الفارسية بمعنى الطاقة والقدرة (طباطبایی، 1366، 46). أمّا ما يعادل كلمة “اقتدار” في اللغة الإنجليزية فهو مصطلح “Authority”، والذي يُعرَّف في قاموس أكسفورد بأنه «الحق أو القدرة على إصدار الأوامر وجعل الآخرين يمتثلون». بالإضافة إلى ذلك، تُذكر معانٍ أخرى لهذا المصطلح، مثل: القوة، الاختيار، الصلاحية، الحق، صاحب السلطة، المرجع، المرجعية، المسؤولون عن الأمور، المصدر الموثوق، السيادة، السلطة المشروعة، القيادة، والحجية. (ارجع إلى المصادر التالية: نوروزی، 1372، بریجانسان، 1375، Oxford Advanced Dictionar)
كتب أنتوني كونينتن في كتابه الفلسفة السياسية عن مصطلح “السلطة”: إن مفهوم «السلطة» في اللغة الإنجليزية مشتق بشكل واضح من المفاهيم اللاتينية القديمة. ووفقاً للويس وشورت، فإن صاحب السلطة في اللغة اللاتينية هو الشخص الذي يخلق شيئاً، أو بغض النظر عمّا إذا كان هو نفسه قد أوجد هذا الشيء في البداية أم شخص آخر، فإنه يساهم في نموه وازدهاره (كونينتن،1371، 2، 170). أيضاً ريتشارد سِنْت، مؤلف كتاب السلطة، في أصل اشتقاق هذا المصطلح: إن كلمة «السلطة» مشتقة من كلمة لاتينية تعني «المؤلف». وبالتالي، فإن في مفهوم السلطة يكمن نوع من فكرة الإنتاج. (سِنْت، 1378، 25)
تُفهم «السلطة» اليوم على أنها امتلاك درجة معينة من القوة الرسمية، التي تُخوّل صاحبها إلزام الآخرين بالطاعة، وأداء مهام محددة ضمن إطار لوائح وقوانين واضحة. الشخص الذي يتمتع بالسلطة يُمنح الحق المشروع في ممارسة الحكم. يختلف هذا المفهوم عن مجرد استخدام القوة أو الإكراه، حيث تُعرَّف السلطة بأنها ممارسة مشروعة للقوة، مما يضفي عليها طابعاً قانونياً وأخلاقياً يميزها عن الاستخدام التعسفي للقوة (فينسنت، 1376، 67)
تُفسَّر السلطة كذلك على أنها القوة القائمة على الرضا والقبول. يوضح روبرت دال في تحليله لمفهوم السلطة أن نفوذ القادة السياسيين لا يُعتبر مشروعاً إلا إذا استند إلى السلطة. ويُعرّف دال السلطة بأنها «نوع خاص من النفوذ… فهي ليست فقط أكثر أماناً واستدامة من الإكراه، بل تشكّل أيضاً عاملاً يمكّن القائد من ممارسة الحكم بسهولة مع أقل استهلاك للموارد السياسية». ومن هذا المنطلق، يُعدّ الحكم الذي يعتمد على السلطة أكثر كفاءة وفعالية مقارنة بالحكم الذي يرتكز على الإكراه أو القوة (روبرت، 1364، 70).
يفسّر دوجونيل مفهوم السلطة باعتبارها العنصر الأساسي الذي يمكّن من تشكيل مجتمع طوعي، حيث تظهر أهمية السلطة ودورها الجوهري بشكل مستمر في جميع أبعاد ومستويات الحياة الاجتماعية. يمكن ملاحظة هذا الدور عندما يقود فردٌ الآخرين أو عندما يتمتع شخص ما بتفوق في إرادته ونفوذه، بما يمكنه من توحيد إرادات الأفراد وتوجيهها نحو أهداف مشتركة. وفقاً لدوجونيل، يُعرَّف المعنى الجوهري للسلطة على أنها «القدرة التي يمتلكها شخص ما لجعل الآخرين يقبلون اقتراحاته» (كونينتن،1371، 2، 166)
نقطة أخرى جديرة بالاهتمام في دلالات مصطلح «السلطة» هي أنها «دائماً ما تكون مصحوبة بنوع من الإجلال والعظمة، وبصورة أدق، بثقة واعتماد شخصي أو جماعي تجاه الشخص الذي تُنسب إليه السلطة» (شجاعي زند، 1376، 55)
لتحديد مفهوم السلطة بدقة أكبر، قام البعض بمقارنتها بـ«القوة العارية»، التي تعتمد على الإكراه البحت. في المقابل، يرى مفكرون مثل كاكستون أن السلطة تتمثل في «القدرة على إثارة الشعور بالخوف» (سِنْت، نفس المرجع، 24). أما مفكرون بارزون آخرون، مثل برتراند راسل، فقد ميزوا بوضوح بين القوة العارية والقوة القائمة على الرضا، مما أتاح فهماً أعمق لمفهوم السلطة. ومن بين هؤلاء، يبرز ماكس فيبر، الذي يؤكد أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم لا تخرج عن إطارين: إما أن تكون مبنية على «الإكراه المطلق»، كما كان الحال في عصور العبودية، أو أن تكون ذات طبيعة طبيعية وحقيقية، تستند إلى حد أدنى من القبول والرضا. هذه الصورة الثانية، التي يسميها فيبر بـ«القوة الطبيعية والحقيقية»، هي الأقرب إلى مفهوم «السلطة» (شجاعي زند، نفس المرجع، 56) يتبع الجزء الثالث

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights