الإثنين: 09 مارس 2026م - العدد رقم 2849
مقالات صحفية

الفطرة النقيّة مفتاح العودة إلى السلام الداخلي

سليمان بن علي الراشدي

في زحمة الأيام وتسارع وتيرة الحياة، قد يجد الإنسان نفسه غريباً عن ذاته، تائهاً في دوامة التوقعات، وأحكام الآخرين، والمقارنات القاتلة، يشعر فجأة أنه لا يعرف من هو، وماذا يريد، وكأن ملامحه الداخلية قد تلاشت خلف أقنعة فرضها الواقع، وفي لحظة صدق يتساءل: كيف أعود؟ من أنا؟ وأين سقطت حقيقتي من بين كل هذا الضجيج؟

حين يولد الإنسان، يولد على الفطرة، صافياً كالماء، نقيّاً كالنور، بسيط الرغبات، صادق المشاعر، يحب بلا حساب، ويضحك من قلبه، ويُبدي حزنه دون أن يخشى نقداً أو تأنيباً، تلك الفطرة النقية التي نشأنا عليها، ما تلبث أن تتلطّخ شيئاً فشيئاً بألوان الحياة، وتغدو ملامحنا النفسية امتداداً لما يريد الآخرون رؤيته فينا، لا ما نحن عليه فعلاً .

نحن لا نفقد ذواتنا فجأة، بل نفقدها حين نستبدلها بصورٍ لا تُشبهنا، حين نُقنع أنفسنا بأننا يجب أن نكون كما يُحب الناس لا كما نُحب أنفسنا، وما ان تبتعد عن نفسك الحقيقية، حتى تتآكل طاقتك، وتبهت روحك، وتشعر أنك ضيف غريب داخل جسدك .

العودة إلى الذات ليست معقدة، بل تبدأ من لحظة صدق، تعرّف على ذاتك مجدداً في وقت هادئ، دون هاتف أو ضجيج، واسأل نفسك: من أنا؟ ماذا أحب؟ ما الذي يُحييني؟
قال تعالى: “وفي أنفسكم أفلا تبصرون” [ الذاريات: 21 ] إن التأمل في النفس واكتشافها عبادة في حد ذاتها، لأنها تقودك إلى الصدق مع الله والناس، وتُعيدك إلى حقيقتك الأصلية .

ما أجمل أن يحافظ الإنسان على فطرته السليمة، تلك التي فُطر عليها يوم خُلق.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه” [رواه البخاري].
الفطرة هنا هي النقاء، والارتباط بخالقك، والحب الفطري للخير، فكلما شعرت بالغربة عن نفسك، فاعلم أنك غادرت فطرتك، وعُد إليها بالتوبة، والصدق، والسكينة .

وفي عالمٍ تسيطر عليه الصور والمظاهر والمقارنات الزائفة، ابتعد عن الانجرار خلف ما يُعرض في وسائل التواصل، كل حياة تُعرض بانتقائية، وكل لحظة سعادة فيها تُختار بعناية لتُخفي خلفها هشاشة الحقيقة، لا تقارن واقعك بما تراه مصقولًا في شاشات الآخرين، بل عش حقيقتك بسلام .
قال الحسن البصري: “ما نظر الشيطان إلى شيء أعظم من نظره إلى العابد إذا أعجب بعبادته”، فكيف بنا إن أعجبنا بأنفسنا في أعين الناس ونسينا حقيقتنا أمام الله؟

تأمل في هذه العبرة: إن أقسى ما قد يعيشه الإنسان هو أن يُمضي عمره بعيداً عن ذاته، ناسياً أن الله خلقه فريداً، له بصمته الخاصة، ومجاله الخاص، ورسالة لا يُمكن لأحد غيره أن يؤديها .
قال تعالى: “لا يُكلف الله نفسًا إلا وسعها” [ البقرة: 286 ].
فلا تُحمّل نفسك فوق طاقتك، ولا تتكلّف ما ليس لك، ولا تتقمص شخصية لا تُشبهك، أنت مسؤول أمام الله عن نفسك، لا عن نظرة الناس إليك .

في زمن الضوضاء، تكون العودة إلى الصمت الداخلي شجاعة، حين تضيع لا تبحث في الخارج، بل انظر إلى داخلك، إلى ذاك الطفل الساكن في أعماقك هو دليلك، وبوصلتك نحو الحقيقة، لا تخف من أن تكون كما أنت، فالحياة لا تُزهر إلا حين نعيشها بصدق .

عِش كما يحبك الله، لا كما يُعجب الناس، فإن رضى الناس غاية لا تُدرك، ورضى الله هو الطمأنينة التي لا تزول، وابدأ أول خطوة بالعودة إلى قلبك، فإنه لا يكذبك أبداً .

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights