غزة درع الأمة الإسلامية
إسماعيل بن مسعود الراشدي
@ismail_alrashdi1979
آثرت ألا أكتب عن نصر غزة إلا بعد رؤية أيقونة هذا العصر يُفند ما خفي عنا من أسرار هذه الهدنة التي رُسِّمت ملامحها من قبل المقاومة، بعد أن جثت كل شياطين الجن والأنس على ركبها مذعنين وخانعين وخائبين -كعادتهم- عندما يحاولون حرب غزة.
انتصرت غزة، وانطفأت جذوة النفاق والتزييف العالمي بمنظماته الربحية التي تكيل الحق بمكاييلُ؛ القوة والعرق والدين، والتي أثبتت بكل يقين أنها مجرد فقاعات تم صنعها لتلميع الشعارات البرّاقة الرامية لاستنزاف العالم بقوانيين وأنظمة تم تفصيلها لتلائم شعوباً معينة دون الأخرى.
لم تلتئم بعد جراحنا وأحزاننا إثر المجازر التي جرت في غزة، وهذا ما يدعونا حقاً لمتابعة مسيرة الدعم المادي والمعنوي لإخوتنا في الدّم والدين؛ بل ووقعت علينا الحجة لاستمرار المقاطعة الأبدية للمنتجات التي ساندت الإحتلال بأي صورة كانت، ولكن ما هوّن علينا وأشفى غليلنا قليلاً مشاهد الفرح والعزة بعد إعلان الهدنة، ناهيك عن خضوع الخصوم للشروط التي تتلوها المقاومة؛ لعمري إنها أجمل مراحل النصر، فمن كان يكابد وابل القنابل والصواريخ، نراه اليوم يترنم بنشوة الانتصار المؤزر قال -جل جلاله- ﴿ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ * وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ الروم [٤-٦].
في مشهد يحمل الكثير من المعاني؛ شاهدنا جميعا الهروب الصهيوني الجبان، انسحبوا وهم يهرولون خوفاً وفزعا، حفاظاً على حيواتهم؛ فقد كانوا يحاربون من وراء جدر وبأسلحة ثقيلة تكفي أن تقهر أعتى الدول المدججة بالسلاح؛ ولكنها تعطّلت تماماً أمام الإيمان الغزاوي الذي قهر كل المخططات التي دُبِرت لإضعافهم وتهجيرهم ثم إبادتهم.
لا ريب أن العودة التاريخية بذلك السيل البشري سطر ملحمة تاريخية لا تُنسى، ومن قداستها شبهها بعضهم بمراسم الحج والعمرة التي ستظل حتماً محفورة في عمق التاريخ المعاصر للأبد، وهي درس تربوي وتاريخي موثق يدعو للتشبث بالمبادئ والمثل العليا، حتى لو أعمل المحتل في أصحاب الأرض أبشع أنواع التنكيل ودمر وخرب كل ما تراه العين؛ فالأرض تعرف أصحابها، وتلفظ ما دون ذلك من شوائب وآفات دخيلة.
على مدى التاريخ دأبت كل محاور الشر لتشويه صورة الإسلام ومبادئه نصاً وموضوعا، وهو أمر بدأ مع بزوغ فجر الإسلام؛ فما كان من قريش إلا أن كذّبت وسحّرت نبينا الكريم محمد ﷺ، وما ذلك إلا لتشويه صورة رمز الإسلام، ومحاولة التشكيك في نبوته الربانية ونبوءته الروحانية، أما في أيامنا هذه فقد نشط هذا التشويه وبشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مستخدمين كل الوسائل الملتفة منها: التضليل الإعلامي الممنهج، وتغيير بعض مناهج التعليم، وتمجيد أسلوب الحياة الغربي، وغيرها كثير.
ولكن في رأيي أن فكرة الشيطان نفسه لدس لفائف العفن بين الأفكار والعقائد هي الأخطر على مدى التاريخ، وتمثل ذلك بصنع وتمويل بعض التنظيمات التي نُسبت للإسلام؛ كتنظيم الدولة الإسلامية، وتنظيم داعش التي كان هدفها الأوحد زعزعة صورة الإسلام، وتشويه معانيه الثرية، وإظهاره كعدو يجب اجتثاثه، والسيطرة عليه وتحجيمه، وقد انطلت الحيلة على ضعفاء النفوس فصدقها، أما العقلاء فزادتهم إيمانا؛ فأسرعوا لدراسة الدين الإسلامي وفهم معانيه، وهنا انقلب السحر على الساحر؛ فآمن الكثير من الفلاسفة ورجال الدين والعلماء والمشاهير.
قد يظن بعضهم أن نصر غزة كان نصراً ضمنياً فقط، وأنه لم يحقق المكاسب التي توقعها القادة الشهداء والأحياء منهم؛ في حين كانت الدرع الإعلامي الذي أسكت كل الأبواق المريضة والمتربصة بالإسلام، فمشاهد تبادل وتسليم الأسرى أثبت بما لا يعطي مجالاً للشك أنه على الرغم من تجاوز العدو كل الخطوط الحمراء للمعاهدات والمواثيق الدولية، إلا أن المقاتلين تعاملوا بالمنهج الإسلامي السمح؛ وهذا بمنظوري قد أفسد كل المخططات الشيطانية، والتي استمرت عقوداً من الزمن لتشويه صورة الإسلام والتي ذكرت أمثلتها آنفا، فقد تقهقرت كل النظريات والتنظيرات، واجتثت من جذورها في طوفان الأقصى في مدة استمرت خمسة عشر شهرا فقط؛ بل وأضحت غزة في خضم هذه المعركة هي محور العالم أجمع، ونسي العالم لفترة طويلة من الزمن الكثير من القضايا الشائكة، وكأن غزة تدير هذا الكون من تحت الأرض مستبشرة بخطابات ابنها البار “أبا عبيدة” الذي وعد وصدق فأوفى.
فسلام الله على الشهداء الأبطال وذويهم الأحرار، وسلاماً لمن آمن بنصر الله؛ فزاده ذلك إيماناً ويقينا.



