طفلة من غزة تفتح أبواب النور(2)
سميحة الحوسنية
مضت شهور عديدة.. وما زال القصف مستمرا، ونحن ما زلنا في المخيمات التي لاتقينا من الخطر المحدق أصوات الصواريخ تمتزج مع صراخ الأطفال، توقظهم من سباتهم والخوف من المستقبل المجهول.. كلما اشتد القصف؛ نطق الجميع بالشهادة “أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله”.
تتعالى الأصوات.. والموت يحوم كغراب البين الذي لا يصمت فوق خيامنا.. أدركت عندها؛ بأنني قد أصحو على رائحة خبز أمي، أو لا أنجو من سهام المنية.
عندما كنت أغفو في حضن أمي أراقب شفتيها وهي تدعو وتقرأ القرآن.. فأتوسد سحابة النوم.. أحلم بنصر قريب ونبض سلام يتدفق في جسد فلسطين.
وكلما فتح الصباح نوافذه؛ انفرجت أهدابي توقضها أشعة الشمس.. أدرك حينها بأنني كنت في حلم سلام جميل تمنيت ألا أصحو منه لكي لا أرى مناظر الدمار وبكاء شجرة الزيتون.
في المخيمات الوجوه واجمة والدموع تشق أخاديدها فتتغير ملامحها الكثير من القصص والمآسي لأرواح تقبع تحت الخيام يعتصرها الكلم وتتكبد مرارة الحياة بدون أسرها التي خطفها الموت.. ولا يوجد هناك من لم يذق مرارة الفقد.. هناك آلام الثكالى والأرامل وكبار السن والأيتام.. زهور تتناثر في كل مكان وآباء ودعوا أسرهم لمثواهم قبل الأخير.. والكثير الكثير.
فاتحين صدورهم دروعاً يقبلون تراب فلسطين.. ويغمسون الخبز في زيت الزيتون قوتا ليومهم.
وها هي الحاجة (فاطمة) تمسك بالتسبيحة المبلل بدموعها التي لا تنقطع، والتي لا تفارقها وكأنها أكسجين حياتها بعد فقد جميع أبنائها.
أسمع دقات قلبها.. كلما احتضنتني كأجراس إنذار.. وطبول تدق قبل بدء الحروب.
لم أر ابتسامتها مند فقد أولادها وزوجها الذي بترت أطرافه.. فأصبح مقعدا على كرسيه المتحرك.. كثير ما أحاول أن أمسك بطرف الكرسي ودفعه مع خالتي الحاجة (فاطمة) لنأخذه إلى شجرة الزيتون التي زرعها صديقه (محمد) ذات يوم.. هكذا أخبرني.. فما أن نتركه حتى يبدأ حديث الشجون مع الشجرة.. كنت أفكر طوال الوقت.. هل تسمعه وتبادله أطراف الحديث عندما نعود عنه ونتركه في خلوته؟!.
في فجر نوفمبر صحوت على همس خالي (سامر) ومعه مجموعة من رفاقه.. جاء ليودع أمي.. فكان عناق الوداع.. فقد شعرت بأنه لن يعود ثانية.. سمعته يقول لها: أرواحنا فداء للوطن.. ادعي لنا بالنصر والتوفيق.. فأخذ يقبل يدها والدموع تغرق لحيته التي كثيراً ما كنت أتأملها.. وأخبي أناملي الصغيرة بداخلها.. ذهبت إليه وكانت خطواتي مثقلة وأنا أرتجف خوفاً من فقدان خالي (سامر).. احتضنني وأوصاني برعاية أمي حتى حين عودته.. ودعني بإبتسامة اختلط فيها الحزن والفرح في آن واحد.. لوحت بيدي الصغيرة من أمام الخيمة التي تأوينا حتى غاب عن الأنظار. أحتضنت أمي التي ضلت تبكي طيلة الوقت.. ذهب خالي سامر ولم يرجع حتى هذه اللحظة.
عندما يخيم الليل أشتاق لرؤية المسجد الأقصى، وقد طرزت السماء بالنجوم؛ فكان أجمل وشاح يرتديه المساء ورائحة الزيتون والياسمين تعطر النسمات الباردة.. اشتقت لغرفتي ولفتح نافذتي المطلة على الأقصى.. تخنقني العبرات كلما تذكرت صديقتي المرحومة غزل وهي تشير بأصابعها للنجوم.. وتحضنني كلما داعبت النسمات الباردة خصلات شعري الذهبية..
الآن كلما اشتقت لها أستحضر صورتها في مخيلتي وأرسل لها سلامي المعطر بالقبلات لروحها الطاهرة وأفتح معطفي الذي وضعت فيه بعض القصاصات والرسومات التي كنا نرسمها مع بعض.. كثيراً ما أتمنى أن أذهب إليها.. أنا لا أخشى الموت لأنه سيحملني إلى جدتي و(غزل) ومن أحبهم.. لألتقي بهم وسأكون شهيدة معطرة الروح بالخزامى والياسمين.. روح فلسطينية..قادمة من أرض طيبة تحلم بالسلام.



