الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

حين يغيب المثقف، يحضر الذكاء الاصطناعي

حمدان بن هاشل العدوي

في السنوات الأخيرة، برز الذكاء الاصطناعي كأداة فعالة ومتاحة للجميع، وأصبح ملاذًا آمناً لفئة من الشباب الطموحين، أولئك الذين شغفهم الكتابة وحلمهم أن يكون لهم صوت في ساحة الفكر والثقافة، ومع هذا التحول، بدأنا نسمع أصواتًا غاضبة من بعض من يُحسبون على الفئة المثقفة، يبدون امتعاضهم من اعتماد هؤلاء الشباب على أدوات الذكاء الاصطناعي في كتابة مقالاتهم، وتطوير أفكارهم، وصقل أساليبهم.

لكن المفارقة أن كثيرًا من هؤلاء المثقفين أنفسهم، ممن يبدون اليوم انزعاجهم، لم يمدوا يد العون بالأمس عندما طرق هؤلاء الشباب أبوابهم، كم من كاتب مبتدئ تواصل مع “مثقف كبير”، سائلًا أو طالبًا رأيًا، أو حتى مجرد كلمة تحفيزية، فقوبل بتجاهل، أو بصمت مريب؟ كم من شاب أرسل محاولاته القصصية أو مقالاته الأولى، ولم يجد من يقرأ أو يرد، فضلًا عن أن يوجه أو يساند؟

لقد اعتاد بعض المثقفين أن ينظروا إلى المبتدئين من علٍ، وكأنهم عبء على الساحة الثقافية، لا يستحقون الوقت أو الجهد، متناسين أن كل مثقف مرّ بذات البدايات، وكان يومًا ما بحاجة إلى من يؤمن به أو يصغي إليه.

اليوم، جاء الذكاء الاصطناعي ليملأ هذا الفراغ، لم يكن بديلًا عن المثقف الحقيقي، بل مكملًا وسندًا في غيابه، لبّى حاجات فئة من الشباب، لم يجدوا في الأسماء الكبيرة إلا جدرانًا صمّاء، بينما وجدوا في أدوات الذكاء الاصطناعي وسيلة للتعبير، ومحررًا رقميًا يُنصت، يشرح، يقترح، وينقّح بلا كلل أو استعلاء.

الغريب أن بعض من رفض أن يُنصت، يتذمر اليوم من “سطوة الذكاء الاصطناعي”، متناسين أنهم من تركوا المجال فارغًا، فهل كان على هؤلاء الشباب أن ينتظروا إلى ما لا نهاية ردًا على رسائلهم، أو مراجعةً لنصوصهم، أو مجرد التفاتة من أولئك الذين نصبوا أنفسهم حراسًا على أبواب الثقافة؟

المشكلة لا تكمن في الذكاء الاصطناعي، بل في الفراغ الذي ملأه، الذكاء الاصطناعي لم يسرق مكان أحد، بل تسلل بهدوء إلى المساحات التي أهملها البشر.

إن ما يحدث اليوم لا ينبغي أن يُواجَه بالرفض أو التذمر، بل بإعادة التفكير في أدوار المثقفين الحقيقيين، فالثقافة ليست حكرًا على أحد، وليست ترفًا يُمنح لفئة دون غيرها، وهي بالتأكيد ليست حقلًا للتكبر أو التعالي على من هم في بداية الطريق.

الجيل الجديد لا يبحث عن بديل للمثقف، بل عن من يحتضن تجاربه ويشجعه على التعبير، فإن لم يجد في البشر هذا الاحتواء، وجد في الآلة من يفعل ذلك.

ختامًا، الذكاء الاصطناعي ليس خصمًا للثقافة ولا للمثقف، بل هو انعكاس لما نحن عليه، فإن أردنا أن نبقى جزءًا حيًا في المشهد الثقافي، فعلينا أن نكون حاضرين، لا أن نلوم الغائبين حين يحضر غيرهم.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights