الأربعاء: 11 مارس 2026م - العدد رقم 2851
مقالات صحفية

زوايا (٣)..حين يشتدّ الموج… كيف تطمئن أرواحنا؟

ثريا بنت علي الربيعية

ذات صباحٍ مزدحم في مدينةٍ لا تعرف السكون، كان رجلٌ ينتظر دوره في طابور طويل أمام محطة القطار. من حوله وجوهٌ متجهمة، وهواتف لا تتوقف عن الرنين، وخطوات متسارعة كأن الجميع في سباق مع الزمن. وبينما كان التوتر يخيّم على المكان، مرَّ صبيٌّ صغير ضاحكًا يطارد فراشةً على جانب الطريق؛ غير مكترث بضجيج الناس ولا بتأخر القطار. كان غارقًا في سعادته البريئة، فابتسم الرجل وهو يتمتم في نفسه:
“كم من الطمأنينة فقدنا حين نسينا كيف نندهش!”.
تنهّد بعمقٍ، كأن ضحكة الصبيّ أعادت ترتيب شيءٍ ما في داخله. تأمّل الوجوه حوله، ثم شعر للحظة بأن الحياة – رغم صخبها – لا تزال تمنحنا مساحات صغيرة للدهشة، لمن أراد أن يلتقطها كالفراشة. كم نحتاج فعلًا لتلك اللحظة التي نتنهّد فيها بعد عملٍ شاق أو إنجاز هدفٍ ما؛ لحظة نستعيد فيها جزءًا من السكينة التي نكاد نفقدها وسط شغب الأيام.

في واقعٍ تتلاطم فيه أمواج الضغوط وتتزايد الهواجس المرتبطة بالمستقبل، لا سيّما مع شعورنا بأن العالم يمضي في مسارٍ غير مستقر، يجد أحدنا نفسه أمام أعباء ذهنية متراكمة قد تُنغّص صفاءه الداخلي، ويخالط ذلك تشتّتٌ بين أعمالٍ مثقلة بزخم الحياة السريعة. وفي وسط هذا الزحام تظل الروح متشوّقة للعودة إلى الداخل، لعلها تجد تلك المساحة الهادئة التي تعيد بوصلة المشاعر إلى لحظات السلام التي لا تُقدّر بثمن.

في الحقيقة؛ تُقاس قيمة السلام الداخلي بهدوء النفس وطمأنينة القلب. ونحن في زمن يثقّل عقولنا بضجيج الأفكار نعلم تمامًا أن الطمأنينة لا تُمنح من الخارج، بل تُزرع في أعماقنا. ولذلك نحتاج ملاذًا للقلب قبل العقل، يتمثّل في الإصغاء إلى ذواتنا. كما قال الإمام الغزالي: “الطمأنينة ثمرةُ المعرفة، فمن عرف ربَّه اطمأن قلبه، ومن عرف نفسَه قلَّ اضطرابه”.

ومن هنا يتبيّن لنا أنّ طريق السلام الداخلي يبدأ من لحظة وعيٍ صادقة يدرك فيها الإنسان قدرته على إصلاح داخله مهما اشتدّت الظروف. وعلينا أن نُدرك أن القلق ليس عيبًا، بل حالة طبيعية تتطلب إدارة واعية. فالنفس القوية لا تستسلم لدوّامات المخاوف، بل تتجه إلى ما يسمو بها. وكم سمعنا عن أشخاص أنهكتهم الضغوط النفسية حتى ضعفت صحتهم، بل شهدنا تجاربَ تراجع فيها مسار حياة البعض بسبب تراكم الهموم.

ومن الطبيعي أن يحمل الإنسان همّ رزقه ومستقبله، وقد تشتد عواصف الحياة على الجميع، غير أنّ هذه التقلبات قابلة للإدارة – من وجهة نظري – بأساليب عملية تُعين الإنسان على استعادة توازنه، واكتساب مهارات ضبط النفس التي تساعده على التكيّف والعودة لقوته مهما تعثر. ولنسترشد بما أوصانا به ديننا الإسلامي قولًا وفعلًا؛ فالنفس المطمئنة هي أسمى درجات التصالح النفسي. ويتجلى ذلك في الثبات في مواجهة الحياة والاستقامة على طريق الصواب، كما قال تعالى:
(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً) (الفجر: 27–28).

وبذلك نتيقّن أنّ الوصول إلى السلام الداخلي يحتاج إلى خطوات عملية تُساهم في ترتيب الداخل، تبدأ من طرح الأفكار المتزاحمة وتهدئة الضوضاء الذهنية عبر تمارين التنفس العميق، إضافةً إلى مواجهة مصادر التشتّت بكتابة الأفكار وتدوين المخاوف؛ فهذه الخطوة تُخفف من ضغطها وتمكّن من رؤية الأمور بوضوح. كما أنّ دقائق قليلة من التأمل تكفي لمنح النفس مساحتها الخاصة من السفر الهادئ. وبلا شك، إن امتلاك هذه المهارات يقرّبنا من حالة التوازن التي تعيد ترتيب دواخلنا.

ومع كل تجربة نمرّ بها، نكتشف أن الهدوء لا يعني غياب القلق، بل قدرتنا على التعامل معه بوعي واتزان. فالسلام الداخلي ليس هبةً عابرة، بل مهارة تُكتسب بالممارسة والمثابرة. ولنتذكر أنّ بداية الطريق تكون من تقدير ذواتنا؛ فكما يُقال: “من عرف نفسه استراح، ومن استراح سلِم قلبه”. والفطِن هو من يستطيع موازنة مشاعره رغم التقلبات والتعثر. ولعلّ خطوة صغيرة يوميًّا تصنع أثرًا كبيرًا مع مرور الزمن، وتفتح لقلوبنا بابًا أوسع نحو السكينة.

وفي ختام حديثنا، لا نغفل عن أعظم ما يؤثر في هدوء النفس وصلاحها: ذكر الله. فقد قال ابن القيم: “لا يطمئن القلب إلا بذكر الله، ولا تسكن النفس إلا بمحبته والإنابة إليه”. ويبقى ذكر الله لحظة أُنس، والتأمل في كل جميل محطة استراحة تعيد للنفس بهجتها وللروح سلامها.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights