الأحد: 08 مارس 2026م - العدد رقم 2848
مقالات صحفية

تساؤلات حائرة!

خلفان بن علي بن خميس الرواحي

بجسمه النحيل وساقين دقيقين يعالج تلك الدراجة الهوائية، محاولا تحريكها بكل قوة، يحمل على ظهره هموم تلك الأسرة التي تركها في بلدته الآسيوية، وجاء هنا من أجل كسب لقمة العيش. أمعنت النظر إلى حاله وذلك الجهد الذي يبذله من أجل من ترك خلفه، تقدم به العمر، ولكنه ما زال مصراً على مواصلة العمل دون كلل أو ملل، لفترة تأملت فيه وأطرقت رأسي مفكراً في حاله، وحال الكثير من بني جلدته الذين يتغربون لكسب لقمة العيش.

تلك الدراجة الهوائية المتهالكة والتي أحسب أنها قضت معه سنوات عديد؛ فهي رفيقته مع تقدمها في العمر ما زالت تسير حتى ولو ببطء شديد، لكنني أعذرها؛ فما تحمله أثقالاً كبيرة، فهو لم يترك فيها جزءًا إلا وهناك حمل من رزم الورق ومخلفات صناديق الكرتون التي كان يجمعها ذلك الشيء الراكب عليها، لا يظهر منه غير ذلك الرأس المغطى بشعر أبيض منكوش لم يصل إليه الماء منذ أيام، وأحياناً كثيرة يضع رزمة مما لديه من الكراتين عندما لا يجد لها مكاناً في دراجته وبما يتقى بها حرارة الشمس.

قلت في نفسي: هذا الإنسان كم من عمره قضاه على هذه الحالة؟ وفي أي سن جاء إلينا؟ وما مقدار ما يكسبه من مال في كل يوم؟ اقتربت منه لأعرف حاله أكثر، رأيت خطوط الزمن قد رسمت على وجه الأسمر نتيجة أشعة الشمس التي تضربه كل يوم، وتأملت كفي يديه ووجدها كلها نتوءات ومظهرها الخشن لو لمست يدي الرقيقة من الراحة لأحدثت بها جرحا، عندما ألقيت عليه السلام رد مبتسماً بتحية أفضل مما قلت له، وأوقف دراجته وأنزل قدمه التي كانت تنتعل نعلاً بالياً يكاد يغطي الجزء الأمامي منها، قلت له: كيف حالك؟ رد بابتسامته التي لم تغادر وجهه: الحمد لله، وأكمل حديثه بلهجة عربية مكسرة، فهمت منها أنه مرتاح ويشكر الله على ما أنعم عليه. لم يطل مكوثي معه طويلا، استأذن مني وبدأ يحرك دراجته قليلاً ثم واصل المسير يجوب شوارع الصناعية، ربما يذهب إلى المكان الذي يأويه وينزل حمولته ويعود من جديد يبحث عن ضالته في الطرقات وبالقرب من صناديق القمامة.

غادر وترك شيئاً في داخلي أثار بي الفضول لأمور كثيرة قد لا أصل إلى حلها، منها كيف يعيش هذا الإنسان؟ ماذا يأكل ويشرب؟ ما حال مكان إقامته؟ والسؤال الذي أشغلني كثيراً؛ كيف يكون حاله عندما يعود لأهله؟ أولاده الذين قضى من أجلهم جل عمره من أجل تعليمهم وتوفير الحياة الكريمة، أيعترفون بذلك الجميل أم يرمونه خلف ظهورهم؟ كل ذلك كانت أفكارًا متلاطمة كموج بحر هائج تدور في ذهني، وأسقطت حالته تلك على أغلب هؤلاء البشر الذين يعملون لخدمتنا في مهن شتى، فحالهم ليس أفضل منه، وربما هناك حالات أقسى من ذلك المشهد.

رجعت إلى سيارتي وأدرتها وقبل أن تتحرك كنت أدرت زر المكيف حتى يلطف علي الجو داخلها بعد أن ضربتنا شمس الصناعية وأحسست بحرارتها، تحركت، وظل ذلك الوافد في ذهني ولم تفارق صورته مخيلتي، وتمنيت أن ألقاه مرة أخرى لأسأله كل تلك التساؤلات الحائرة لعلي أجد لديه الإجابات، والتي ستظل تدور في رأسي باحثا لها عن إجابة!

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights