وجوه مفقودة
ثاني بن مبارك الحبسي
عندما نعتاد الحياة مع أشخاصٍ طالما تعلقت أرواحنا بهم منذ الصغر، ونشأنا في كنفهم، وكبرنا تحت أنظارهم، ويشتد تعلقنا بهم؛ لدرجة أننا نشعر بالشوق إليهم إذا غابوا عنا في سفرٍ أو غياب. وعندما تأتي الأقدار على حين غِرّة، وتأخذ من بيننا تلك الأرواح، ونفتقد على أثرها تلك الوجوه التي كنا نراها كل يوم، ونستمد منها طاقات السعادة والتفاؤل والأمل، وحب الحياة، وكل ما هو جميل وإيجابي؛ عندها نشعر وكأن زلزالاً قد هزّ كياننا، وتحطمت بداخلنا على أثره كثير من المشاعر. شعور الفقد ليس بالأمر الهيّن الذي يمكن للقلوب أن تتجاوزه بين ليلةٍ وضحاها؛ فهو صدمةٌ قوية يحتاج الإنسان معها إلى فترة من الزمن، وربما سنواتٍ طوال، كي يتقبلها، وتهدأ خواطره من لهيب شجونها.
نعيش في هذا الشهر الفضيل، شهر رمضان، أجمل الأيام روحانيةً وتقرباً إلى الله. ولعل شعور الفقد يزيدنا ألماً وحزناً؛ نظراً لما لهذا الشهر من خصوصية، وعِظَم مكانة في القلوب، ولما له من أثر في تقوية الروابط، وشد العزائم على العبادة، والتجمع الأسري على موائد الإفطار، والتشارك في الجلسات والأحاديث، والشعور بمعنى الألفة.
جميع تلك المشاعر الجميلة سيفتقدها البعض؛ فهناك من فقد الأب، أو الأم، أو الأخ، أو الأخت، أو أي عزيزٍ كان، وسيتجدد شعور فقد الأحباب والأصحاب من جديد، رغم أنه لم يُنسَ مطلقاً.
لقد توفي والدي – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – منذ ما يزيد على سنتين، وإلى الآن لم أستطع استيعاب تلك الصدمة، وكأنني أتلقى خبر وفاته كل يوم. شعور لم أتمكن من نسيانه أو الهروب منه؛ لما أحدثه من فجوةٍ وفراغٍ كبيرين لم أجد شيئاً يسدّهما أو يحلّ محلهما. إحساسٌ أشعر من خلاله كأن روحه ترافقني أينما أكون، في اليقظة والأحلام. أحاول جاهداً رسم بسماتٍ مزيفة، وضحكاتٍ مصطنعة؛ لأخفي خلف ستارها بركان حزنٍ لم يهدأ ثورانه. ولعل كل من عاش تجربة الفقد وتجرّع مرارته، سينتابه ذات الشعور.
لست هنا بصدد إثارة أحزان خامدة، أو تقليب صفحات ألمٍ في دفترٍ منسي؛ بل هو شعور الشوق والحنين لتلك الأرواح التي نفتقدها في هذه الأيام الرمضانية المباركة، واسترجاع لتلك اللحظات التي طالما عشناها مع من فقدناهم، واستأنسنا بصحبتهم. وها هم اليوم يرقدون خلف أسوار المقابر، بعد أن تركونا نقاسي غصة الفراق، ولكنها الأقدار.
رحم الله موتانا، وموتى جميع المسلمين، ونسأل الله لهم حياةً أفضل من حياة الدنيا، وأن يجمعنا بهم في أعالي الجنان، في لقاءٍ لا فراق بعده.



