2024
Adsense
مقالات صحفية

حياة مثمرة لا طويلة

د. علي زين العابدين الحسيني

لا شك أنّ الأيام سريعةٌ أسرع من قدرتنا على استيعاب كلّ ما فيها، مما يستلزم على صاحب الوعي أن يتساءل عن سر وجوده في هذه الحياة، وهدفه الحاصل منها، وأثره المرجو فيها، فلا يملّ من مراجعة وتقييم ما جرى له من أحداثٍ سواء كانت إنجازات أو إخفاقات، ولا تخلو حياةُ شخصٍ منهما.
إنّ النظرة العامة لقياس حياة الأشخاص عند الغالب تكون بطول العمر، وهي نظرةٌ غير سليمة؛ لأنّها تعتمد على نظرية الكم دون الكيف، فما فائدة العمر الطويل دون وجود أشياء يفتخر بها الإنسان، وتكون دالة عليه، وقد كانت حياة الأشخاص فيما مضى تقاس بالكيف لا الكم.
لا يقتصر قياس الكم والكيف على حياة الإنسان بل يتجاوزه، ويدخل في كثيرٍ من الأمور، فتقيس الباعة مثلًا أمور الشراء والبيع بالكم، وعادة ما يستخدم أرباب الإعلان لشيء جديدٍ الكمَّ، حتى انعكست هذه الرؤية على الشخص نفسه فلعلكَ تلاحظ سعادتك البالغة حينما تشتري أشياء كثيرة بمبلغٍ قليل في حين أن جودة هذه الأشياء الكثيرة ليست على المستوى المطلوب اعتماداً على نظرية الكم لا الكيف.
يدرس البائعون شخصية المشترين من الجمهور، ويعتمدون في تسويقهم للبضائع الجديدة على هذا الأمر، وهو أمرٌ جليّ يظهر من خلال الإعلانات المنتشرة هنا وهنالك؛ حيث يركز أكثرها على إظهار الكم في الإعلان دون الالتفات إلى الكيف؛ لأنّهم ملمون بعقلية المشترين جيداً.
يمتد أمر الكم إلى جميع الأعمال، فتجد الموظف في وظيفته يستدلّ على إخلاصه في عمله بأنّه يجلس في العمل أكثر من نصف يومه، وهو عدد من الساعات طويل، لكن في الغالب يُعتمد فيه على الكم، وأدلّ دليل على إثبات ذلك أن يحاول هذا الشخص كتابة ما أنجزه في ورقةٍ جانبيةٍ.
إذا انتهى هذا الشخص من عمله فليته يطالع ما كتبه في ورقته من إنجاز يومي، وحينها سيكتشف أن الوقت المبذول أكثر بكثيرٍ من العمل المنْجَز، ناهيك أن هذا العمل قد لا يتطلب كلّ هذا الجهد عند آخرين، وربما لا يحتاج التواجد أصلاً في مقرّ العمل، بل يمكن إنجازه عن طريق استخدام وسائل حديثة.
أدرك العرب قديماً خداع الكم الذي يسيطر على العقول، ويخادع به كثيرون في هذه الحياة، فاشتهر عنهم المثل القائل: “ترك الفتيان كالنخل وما يدريك ما الدَّخل”، وهو مثلٌ يضرب لصاحب المنظر الذي لا خيرَ عنده في قصةٍ مشهورةٍ ذكرها الميداني في كتابه الشهير “مجمع الأمثال”.
وشاهده وجودُ رجلٍ له منظرٌ حسن وهيئة بهية، لكنّه في حقيقة أمره فاسد الجوف لا نفع منه، وهكذا الأعمال التي تتكل على التعبئة، فهي في حقيقتها لا قيمة لها، وأضر من ذلك حياة الشخص نفسه إذا نظر فيها بنظرة الكم؛ لاعتماده حينئذٍ على قاعدةٍ ضعيفةٍ، فإنّ حياة الأشخاص إنّما تقاس بالأثر الظاهر لا بطول الأعمار، فحياة مثمرة مع قلة سنوات العمر خير بكثير من حياة طويلةٍ لكنّها فارغة.
إنّ حياة بعض الأشخاص في حقيقتها هي حياةُ يومٍ واحدٍ، وهي حياةٌ يوميةٌ متكررةٌ لا تختلف عن كثيرٍ من العادات كالأكل والشرب، وإن لم يكن في الحياة تجديد وتقييم يوماً بعد يوم أو شهراً بعد شهرٍ فستتحول الحياة لعادةٍ يوميةٍ لا تختلف عن غيرها، وتكون الأعمال متكررة ليس إلاّ، ووسائل التجديد متعددة، وأقلّها التمسك بالآمال والسعي لها.
وبعد، فمتى نتحرر جميعاً من ظاهرة الكم؟

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights