الثلاثاء: 10 مارس 2026م - العدد رقم 2850
مقالات صحفية

عالم آخر غير عالمنا .. نستقي منه العلم

    سليمان بن حمد العامري

عندما نستلم شهادةً أيا كانت نوعها بعد جهد كبير، نشعر بأننا قد حققنا إنجازًا، ونفرح به فرحًا مشروعًا. وهذا الأمر حقًا يستحق السعادة، لأنه يبرز ما بلغناه مما سعينا إليه، وربما حققنا ما لم يحققه غيرنا. غير أن هذا الشعور، رغم صدقه، يختلف حين ننظر إلى عالم آخر غير عالمنا؛ عالم لا نعيشه، بل نراه عبر الشاشات. هناك، لا نشعر في كثير من الأحيان بحجم المعاناة التي يواجهها الآخرون تحت وطأة الاستبداد العالمي الجائر. ومع ذلك، فإنهم يعملون بجد ويسهرون الليل والنهار من أجل الفوز بالمراكز الأولى، رغم الصعوبات والمعاناة التي يعيشونها.

هل تعلم، أيها القارئ، من هم هؤلاء المكافحون؟ وأين هم؟ إن لم تكن تعلم، فثمة شيء يحتاج إلى مراجعة في داخلك. أعذرني على قسوة العبارة، لكنها الحقيقة؛ إذ لا بد أن يكون هناك ما يحجب عنك وعنا رؤية هؤلاء القوم ومعرفة مقامهم.

سأعرفك، أيها القارئ النجيب، وليس ما أردته لغزًا أو فلسفة من نوع آخر، وإنما أردت بهذا النص أن أخبركم عنهم، فهم يستحقون أن تُكتب سيرتهم المملوءة بما لا يخطر على بال أحد. إنهم أهل الكفاح والكرامة، أهل الجهاد والاستشهاد. إنهم أهل غزة؛ الصابرون على أشد المحن، المقاومون للخذلان، الساعون إلى العلو في الدنيا والآخرة.

لعلك تتساءل عم أتحدث؟ وماذا يجري؟
إنني أردت التحدث عن كيفية مقاومتهم للحياة التي سكبت عليهم أثقالها. هل ترى بعينيك كيف يتعلمون القرآن وعلومه وسائر أبواب المعرفة، ومن منهم يُنهي دراساته العليا، وهم في ظروف قد يبلغ فيها الإنسان حد اليأس؟ هناك، حيث يُتوقع الانكسار والانهيار.

يا أهل غزة، لم تبقوا لنا عذرًا أمام الله. أنتم تعلموننا في كل ثانية، وكل ساعة، وكل يوم دروسًا عميقة ينبغي أن تُسجل في ضمير هذه الأمة وفِي مخطوطاتها. أنتم لستم مثلنا، ولستم طلاب علم فحسب؛ أنتم مربون ومعلمون وعلماء في مدرسة الحياة. نعجز عن أن نفي لكم حقكم بهذه الأسطر البسيطة، فسامحونا؛ فنحن تلامذتكم، نتعلم منكم معنى العلم، ومعنى الصبر، ومعنى الوفاء.

لقد صدق فيكم قول الله تعالى:
*﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾* [التوبة: 20].

وقال تعالى:
*﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾* [المجادلة: 11].

وقال سبحانه:
*﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتَخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾* [الحج: 54].

لقد حققتم في هذه الأمة قول الله تعالى:
*﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۝ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۝ عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾* [العلق: 1-5].

هذا النص موجه على وجه الخصوص إلى أهل غزة جميعًا، وفيهم من فيهم، وإلى معلمتي الدكتورة مريم إيهاب الحاج أحمد، التي استقيت منها روح الأدب العربي وجماليته، وتعلمت على يديها أن الكلمة مسؤولية، وأن المعرفة موقف.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights