مقالات صحفية

المؤسسات والقانون لها دولة

محفوظ بن خميس السعدي

يُعدّ قانون المحاماة أو قانون المحامين من القوانين المُيسّرة للحياة اليومية لكلّ فرد من أفراد المجتمعات المتحضرة؛ حيث تعلو لغة القانون فوق لغة الفوضى، ولقد أفرد النظام الأساسي للدولة فصلاً رابعاً خاصاً بمهنة المحاماة، من حيث هي مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون وكفالة حق الدفاع…..إلخ.

وهو قانون مهنيٌّ خاصّ بمهنيين يمارسون مهنة، وليس وظيفة المحاماة من حيث الترافع وكتابة المذكرات القانونية وإسداء المشورة القانونية الفنية لكل فرد من أفراد المجتمع قام باللجوء إلى منصة المحاماة في أي استسفار قانوني فيه الشيء الكثير من الغموض.

وللتوضيح أكثر، لماذا تم البدء بذكر المحاماة وكأنها على رأس الهرم في محور المؤسسات والقانون؟ السبب هو قربها من المواطن، مثل جهاز الشرطة التي ترعى وتحفّ المواطن بالحماية والأمن والأمان والاستقرار، ودعنا نوضح أن الدولة لديها العديد من المؤسسات والقوانين والتشريعات التي تلزم المواطن في اللجوء إليها في أيّ خلاف أو اختلاف أو نزاع بينهم؛ وذلك لترسيخ مفهوم العدالة والقانون الذي هو مظلة الجميع ويتشارك الكلّ في تنفيذه، والامتثال إلى نصوصه ونواميسه، وإلى جانب المحاماة تأتي المؤسسة القضائية على رأس هرم دولة المؤسسات والقانون، ومع ذلك سيتم الإسهاب بالحديث عن المحاماة لسبب؛ ألا وهو دفع الناس إلى أخذ حقوقها عن طريق القانون وليس عن طريق اليد، فالمحاماة ليست مرتبطة بالمنازعات أو النزاعات بكافة أشكالها وأنواعها فقط؛ وإنما المحامي الذي يمارس هذه المهنة يكون بمثابة الاستبصار للشخص الذي يستعصي عليه فهم نصٍّ قانونيّ ما، يتعلق بمصلحة عامة أو خاصة للفرد، وأيضاً ما يعترض مسار حياته المشبعة بالتحديات وببعض الصعاب التي قد تعترض طريقه في أمرٍ ما؛ وبالتالي فاللجوء إلى المحامي يكون وقايةً أحياناً وليس كعلاج، وذلك من خلال الاستشارة المقدَّمة منه في موضوع معيّن.

وهناك طبعاً مجالات متعددة قد يكون الإنسان ملتصق بها، ولكن قد لا تكون الرؤية واضحة له؛ فعملية الاستبصار الواضح يقوم بها المحامي وإرشاده للطريق السليم الصحيح، وقد يكون هناك بعض المحامين ألْحَنَ في القول من غيرهم، وقد يكون المحامي لديه قدرات تتفاوت عن قدرات محامٍ آخر؛ وكلها تصبّ في بوتقة أن الإنسان لديه من إمكانيات تتفوق عن إمكانيات شخصٍ آخَر، ويعتمد على المحامي في القدرة على المواصلة والمتابعة والقراءة وتوصيف الأمر حسب الوصف القانونيّ الصحيح، وأيضاً الانغماس في التدقيق المعمّق في القوانين المنظّمة لكافة المجالات في المجتمع الواحد، وفهم ومعرفة ودراية دقيقة بأصول وآداب المهنة، وبالطُّرق والمسالك القانونية التي من الممكن إنتاجها في حلّ قضيةٍ ما.

ونعود إلى المحامي في صورة شخصٍ يساعد شخصاً آخَر في الوصول لحقه ويساعده في فهمه للقوانين التي من الممكن الاستعانة بها في قضاء موضوعٍ ما، يتعلق بالبناء أو تأمين السيارة أو أيّ أمرٍ آخَر على سبيل المثال لا الحصر.
والمحامي أيضاً لديه مدوّنة تؤطّر سلوكه ومسلكه في التعامل مع طالبي المشورة منه؛ وذلك بآداب وسلوكيات رفيعة يتسامى بها سلوك المحامي، وعن كيفية المعاملة الحسنة والراقية مع كل أطراف القضية، وكيفية التعامل مع منصة القضاء والجهات المرتبطة بتلك المنصة.
فالمحاماة مهنة ذات ذوق رفيع في التعامل، وفي كيفية إيصال اللفظ واللغة الجزلة لكل طرف من أطراف قضية ما أو موضوع استشارة قانونية معينة؛ فهي مهنة الشرفاء الذين يتفهون قراءة مشاكل وقضايا الناس من خلال مسار طويل لفهم كل جوانب القضية الإنسانية المطروحة أمامهم، فعندها يتم التعامل هنا بكل إنسانية مع أطراف القضية بما يجعل الخدمة أو المساعدة المقدمة من المحامي تتصف بالسموّ، وترتكز على الشرف والنزاهة؛ ولهذا فهي مهنة الشرفاء فعلاً، فاللجوء إليها أفضل من اللجوء إلى الاقتتال في الشارع وأخذ الحق باليد، وبعض الأفراد من مواطنين أو وافدين يصوّر تلك المَشاهد المرئيّة ويتم تداولها عالمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، لكي تمحو صورة بلدٍ عاش ردحاً من الزمن وما زال في كنف السِّمة والأخلاق والتعامل بكل حبٍّ وتقديرٍ لمن هُم أكبر في السنّ، وفي تلاحمٍ مجتمعيٍّ وطنيّ يسمو بالحب والدفء دونما شحناء وبغضاء؛ فيجب المحافظة على تلك الصورة التي يحسدنا عليها الصديق قبل العدوّ، فالنتيجة أن بعضهم يعتقد أن القوانين المنظّمة لسَير الحياة وانتظامها في أيّ دولة، هي مجرد ترف، وقد يكون هذا الأمر موجود قبل عشرات السنين، ولكن الآن توجد دولة وقانون ومؤسسات؛ وهذا هو ديدن الجميع كعقد طبيعي في المجتمع العُماني الفريد، وليس من الحكمة اتخاذ مسارٍ فوضويّ وعشوائيّ في التعاملات بين أفراد المجتمع وما بين الشخصيات الاعتبارية وغير الاعتبارية والكلّ سواءٌ أمام القانون؛ وبالتالي شريعة الغاب ليس لها وجود في بلد يتّسم بإضفاء لغة الحوار والقانون والتسامح وعلمية التفاهم الإنسانيّ، بعيداً عن الشحناء والبغضاء؛ مما يجعلها مثالاً يُحتذى به من كافة دول العالم، ويسمع بها القاصي والداني بأن سلطنة عُمان واحة نظيفة كبيئة إنسانية وكبيئة طبيعية؛ فعلينا المحافظة على هذا الإرث الحضاري السامي والراقي، والابتعاد عن المَشاهد العنيفة التي تصوّر كلّ فرد وكأنه قانون يمشي على الأرض، بينما هناك أجهزةٌ حكوميّة ولله الحمد تعمل بكل طاقاتها على تثيبت وإرساء دعائم الحق والحقوق والعدالة، وترسيخ دعائم الأمن والأمان والاستقرار.

وكنتيجة أخرى لهذا المسار الحميد، هو أن نجعل من عُماننا مضرب الأمثال بين الأمم، ورقماً صعباً في المعادلة البشرية الإسلامية بذكرها في المخاطبات الصادرة من سيد البشر نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى سادة عُمان، فالكل يرى في فيها رداء السلام الذي يغطّي به البشرية جمعاء.

حفظ الله سلطنة عُمان قيادةً وشعباً، وهي دولة القانون والعدالة.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights