نغمات الحروف…الجزء الثاني: حرف (ب)
خلفان بن ناصر الرواحي
بحركة شفاهنا نشعر نغمة حرفنا هذا، وبرغم الصمت الشديد الذي يلاحقنا على كل الظروف فإننا نجد بصيص أمل يقودنا بحركة القلم؛ حيث نجد حرف (ب) حاضرا ليوحي لنا ببداية جديدة نكتب فيها ما تبقى لنا من مكنونات الكلمات من بين الحروف العربية التي لا يمكن أن تكون في طي النسيان؛ فتبدأ الحروف تتسابق لترتبط مع حرف (ب) لتنال شرف الصحبة لتظهر الكلمات بقشيب جذّاب يلامس القلوب التي تعشق الكلمات وسحر البيان.
إنّ حرفنا هذا (ب) نال مرتبة عالية جدا لارتباطه بأننا نستخدمه في حياتنا عند بداية كل أمر نريد القيام به متوكلين على الله عند قولنا “بسم الله الرحمن الرحيم”، فتراه تربع مكانته بداية الجملة؛ وهذا يعني أنه لا يقل مكانة عن بقية الحروف العربية الأخرى التي نستخدمها في حياتنا الخاصة والعامة.
ولو تأملنا بعض الكلمات الأخرى التي يحتويها هذا الحرف الذي نتحدث عنه (ب)؛ لوجدنا الكلمات المتناغمة التي تجد صداها في النفس، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر؛ “بركة، بشرى، صبر، أحباب، بهجة، بسمة”، وغيرها من الكلمات الجميلة الأخرى التي تترنم في المسامع والقلوب.
كما أن هذا الحرف نال شهرة واسعة في مستهل قصيدة “البردة” التي سميت بهذا نسبة إلى كساء النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أهداه لكعب بن زهير عند إسلامه، والذي قال في مطلعها:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ
مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفَدَ مَكْبُولُ
فحرف (ب) في بداية القصيدة جاء في الفعل “بانت” بمعنى “فارقت”، وهو إشارة لمفارقة “سعاد” للشاعر التي أدت إلى حالة التيم والجنون التي وصفها -إن كانت حقيقة أو خيالا، وهذا ما اشتهر به الشعراء العرب القدماء في بداية القصيدة-، ليؤدي ذلك في النهاية إلى إسلامه ونيل الأمان والبركة.
ولو نظرنا إلى تناغم حرفنا هذا مع حركات الفتح والضم والكسر (بَ، بُ، بِ) مع كلمة واحدة على سبيل المثال، وهي كلمة تحمل نفس المغزى ولكنها تختلف في معناها حسب السياق اللغوي، كما يلي:
“بَشارة”: مصدر بَشُرَ، أي حسن وجمال الشيء، وتعني أيضا أوائل الشيء، فعلى سبيل المثال؛ عندما نقول بَشائر الوجه وبَشائر الصبح وغيرها من الأمور التي ينطبق عليها المعنى.
“بُشْرَى”: هو اسم علم مؤنث عربي يعني الخبر السار والمفرح، والبشارة، والفأل الحسن، وهو اسم يرتبط بالأمل والتفاؤل والخير.
“بِشارة”: الخبر السار والمفرح الذي يُسر به المخبر.
وهذا هو حرفنا الثاني الذي تطرقنا إليه وفق رؤية أدبية تعبّر عن وجهة نظرنا الخاصة، والتي جاءت بشكل مختصر لعله يلامس ذائقة القارئ.
فما أجمل نغمات حرفنا هذا مع حركات الفتح والضم والكسر ونحن ننطقها؛ “با، بو، بي”!
للموضوع تتمة لباقي الحروف.



