زمن الطيبين هل فقدت الدراما بوصلة الأخلاق

هلال بن عبدالله الفجري
لم تكن الشاشة الصغيرة يوماً مجرد نافذة للتسلية أو تمضية الوقت، بل كانت مدرسة تدخل البيوت بلا استئذان، تُشكل وعي الأجيال وترسم ملامح القدوة في أذهان الصغار والكبار. وحين نستذكر زمن الطيبين ونحن لدراما الماضي، فنحن لا نحن لصور باهتة أو تقنيات قديمة، بل نشتاق إلى زمن كان فيه الكاتب يحمل هماً أخلاقياً، والمخرج يرى في عمله رسالة مقدسة حيث كانت الحارة مدرسة في الجيرة، والعائلة حصناً منيعاً من القيم، والحب حكاية خجل ورقي .
في العقود الماضية، كانت الدراما والرسوم المتحركة تعمل جنباً إلى جنب لبناء مجتمع متماسك كان البطل هو الإنسان الشريف المكافح الذي ينتصر للحق بفروسيته لا ببلطجته رأينا مسلسلات تكرس احترام الكبير، وتُعلي من شأن العطاء، وتصور الحارة ككيان أسري واحد يتقاسم فيه الجيران الرغيف والهموم. حتى مشاعر الحب، كانت تُقدم بإطار من العفة والخجل الذي يحترم حرمة البيوت، مما يزرع في نفوس الشباب أن الرقي في المشاعر هو الأصل .
أما اليوم فقد انقلبت الآية، وباتت الدراما في كثير من وجوهها معول هدم يضرب في جذور المجتمع لقد تم استبدال (البطل النبيل) بـ (البلطجي الجذاب) الذي يأخذ حقه بيده خارج إطار القانون، ويحمل السلاح الأبيض أو يتاجر في السموم، ثم يأتيك الكاتب بمبررات واهية تجمل قبحه وتدفع المشاهد للتعاطف معه هذا التحول لم يتوقف عند الشخصيات بل امتد للسلوك فأصبحت الألفاظ النابية والمظاهر الباذخة المستفزة والتمرد على قيم العائلة هي السائدة إن ما يحدث اليوم هو عملية تطبيع مع القبح حيث يعتاد المشاهد رؤية الجريمة والانحراف حتى يظن أنها الواقع الوحيد .
وهنا نصل إلى السؤال الجوهري والمسكوت عنه لبعض الكُتاب يفتقرون للقيم، أو مخرجٍ غارق في عالم الانحراف، أو مبدع يعيش حياة قوامها التعاطي والانفلات، أن يقدم للمجتمع دراما تبني الأخلاق إن العملية الإبداعية هي انعكاس مباشر لروح صانعها فالمبدع الذي لا يؤمن بالقيم الإنسانية ولا يمارسها في حياته، لن ينتج إلا عملاً يشبه فوضويته الداخلية عندما يسلم (قلم) الكتابة لمن يرى في المخدرات والبلطجة أسلوب حياة، فلا ننتظر منه أن يكتب عن بر الوالدين أو شهامة الجار لقد باتت بعض الأعمال الدرامية اليوم تُكتب وتُخرج بعقلية التعاطي لا بعقلية البناء، مما جعل المشاهد أمام فن ملوث يروج للمرض على أنه صحة، وللانحدار على أنه تحرر إن إصلاح الدراما يبدأ أولاً من انتقاء “أصحاب الرسالة”، فالفن لا ينفصل أبداً عن أخلاق صاحبه إن الدراما ليست مجرد مرآة تعكس الواقع كما يدعي البعض .
بل هي أداة لصناعة هذا الواقع وتوجيهه. الفن الذي لا يهذب الروح هو ضجيج، والدراما التي تصدر المجرمين كأبطال هي شريكة في إفساد المجتمع، نحن بحاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى، لعودة “الدراما المسؤولة” التي تحترم عقل المشاهد وتستعيد قيم الشهامة، والمودة والصدق نحتاج إلى أعمال تزرع في أبنائنا أن القوة في الأخلاق، لا في “العضلات” أو خرق القانون أو غياب الوعي.



