السبت: 07 مارس 2026م - العدد رقم 2847
مقالات صحفية

غرباء في قلب الحارات

   صالح بن ناصر المحروقي

تغيّر وجه القرى والحارات العُمانية في السنوات الأخيرة، وبدأت بيوت قديمة كانت عامرة بأهلها تتحول إلى مساكن مزدحمة بالوافدين، يدخلون ويخرجون في أوقات لا يعرفها إيقاع الحي، ويمتد حضورهم إلى الأزقة القريبة من بيوت العائلات، فتتوجس الأمهات على أطفالهن، وتغلق الأبواب بإحكام بعدما كانت مفتوحة على الجيرة والثقة.

ومع امتداد هذا المشهد، بدا أنّ العائلات لم تعد تشعر بنفس الأمان التي عاشت عليه طويلاً، فالسلوكيات الغريبة عن البيئة، والإزدحام داخل بيت واحد، والتنقل في ساعات غير مألوفة، كلها تفاصيل تُشعر الأسرة أنّ الحي فقد كثيراً من صفائه، وأنّ الخصوصية التي أحاطت بالمنازل سنواتٍ طويلة تراجعت أمام موجة من التداخل غير المحسوب.

ولم يقف الأمر عند حدّ الوجود المُقلق لهؤلاء، بل ظهر ما هو أخطر، فبعض البيوت تحولت إلى أماكن تخزين لبضائع تُباع في المحلات، وبعضها لممارسة مهن دون ترخيص، وأحياناً تُتداول فيها المسكرات والمؤثرات العقلية، وكل ذلك يحدث في قلب مناطق مأهولة بالعائلات التي تجد نفسها أمام واقع لم تختَرْه، وبيئة تتغير يوماً بعد يوم على حساب راحتها.

ويزداد القلق حين نعلم أنّ عدداً كبيراً من هؤلاء يسكنون بلا عقود إيجار رسمية، وبلا متابعة من الجهات المعنية، غرفٌ مزدحمة، وأعداد تتغير باستمرار، وكأنّ الحارات العُمانية فُتحت لكل من يبحث عن مأوى سريع أو ربح إضافي.

والمؤسف هو أنّ هذه القضية ليست وليدة اللحظة، فقد رُفعت بشأنها عشرات الشكاوى، وكتب المواطنون عنها في الصحف والمنصات، وجُمعت توقيعات في أكثر من ولاية، ووُضعت بين يدي المسؤولين مباشرة، ومع ذلك ظلّ الرد يُراوح مكانه، وبقيت الجهات تتبادل اللائمة بينها، بينما المشكلة تستفحل عاماً بعد عام.

وتتضح جذور المشكلة في وجود أعداد كبيرة من العمالة المتسيبة التي تعمل خارج المهن التي استُقدمت لها، أو تقيم ببطاقات منتهية، أو تمارس أعمالاً متسترة، فينشأ عن ذلك تداخل مزعج، وبيئة مضطربة، وملامح لا تنسجم مع طبيعة الجوار العُماني.

وما يؤلم أكثر هو أنّ بعض المواطنين ساهموا في تعميق هذه المعضلة، حين تركوا بيوتهم القديمة وانتقلوا إلى مخططات حديثة، ثم أجّروا تلك البيوت للوافدين دون مراعاة لحقوق الجوار ولا لحساسية المكان، وأيًّا كان المبلغ الذي يحصل هؤلاء فهو لا يساوي ثمن السكينة التي تُسلب من سكان الحي كل يوم.

وتزداد الأزمة وضوحاً مع غياب التنسيق بين الجهات الحكومية، فالبلدية تعمل وفق قوانين محددة، والإسكان تتعامل بوصف آخر، والشرطة لها دور مختلف، ولا جهة تجمع خيوط المشكلة برؤية واحدة، فيظلّ المواطن محاصراً بواقع لا يستطيع تغييره، بينما الجهات تمضي بإجراءات متباعدة.

إنّ خصوصية مجتمعنا تقوم بالأساس على مجموعة من الروابط والعادات الإجتماعية، وهويتنا تتشكل من تفاصيل الحياة اليومية، فإذا اختلت هذه العناصر اختل الإحساس بالانتماء، وتبدلت صورة المكان في وجدان من يعيش فيه.

إنّ تنظيم هذا الملف ليس أمراً معقداً، فهناك نماذج واضحة في دول عديدة خصصت مناطق مستقلة لسكن العمالة، وحافظت بذلك على خصوصية الأسر، وأبقت الحارات متماسكة بطابعها التقليدي، أمّا نحن فما زلنا نناقش الموضوع منذ أكثر من خمسة عشر عاماً دون نتيجة واضحة.

لقد آن الأوان لاتخاذ خطوات عملية تعيد للقرى والحارات هدوءها، وتحمي العائلات من هذا التداخل المزعج، وتثبت أنّ الدولة قادرة على صون بيئتها الاجتماعية، وتعزيز ثقة الناس بمؤسساتها، فطمأنينة الحي جزء من طمأنينة الوطن، ولا غنى للمجتمع عنها في أي مرحلة من مراحله.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights