الجمعة: 13 مارس 2026م - العدد رقم 2853
مقالات صحفية

ناصر بن علي بن مكتوم الهنداسي وحياة بين الغربة والوطن (١٩٣٩م – ٢٠١١م) الجزء ١

    سعيد بن خميس الهنداسي

مع أواخر الخمسينات من القرن الماضي، كانت سلطنة عُمان تمر بظروف اقتصادية صعبة، حيث ضاقت سبل العيش وقلّت الفرص المعيشية، بينما بدأت بعض دول الخليج المجاورة تشهد بوادر الطفرة النفطية، فكانت وجهة للباحثين عن الرزق وتحسين الأحوال.

في هذه الفترة، راودت فكرة السفر ناصر بن علي بن مكتوم الهنداسي، كما راودت الكثيرين من أبناء جيله، خاصة أولئك الذين سبقوه من قريته الصغيرة الواقعة بين سهول نخيل الباطنة وسكون سواحل عمان، فقد كانت حكايات العائدين من الكويت وقطر والبحرين والسعودية تُروى على مسامعه، مشوبةً بمشقة الغربة، وشيء من بريق الأمل الذي من اجله يمكن المغامرة والظفر بالانتصار على تلك العوائق.

مع ان ناصر كان صغيرا، الا انه قد بلغ من العمر ما يكفي ليشعر بثقل المسؤولية، فقد كان حلمه أن يكون سندًا لوالده وأهله، وأن يُخفف عنهم ولو جزءًا من عبء الحياة، فكان يُحدث نفسه: “هل أجرب حظي وأسافر مثل الآخرين؟ أم أبقى حيث أنا وأواصل الكفاح في أرضٍ شحيحة؟”

لقد كانت الغربة خيارًا صعبًا، لكنه ضروري، ورغم أن الطريق لم يكن ممهدًا، وأن الأعمال هناك كما سمع كانت شاقة وتتطلب صبرًا وقوة، إلا أن الإرادة والعزيمة هما ما دفع ناصر لاتخاذ قراره، معلنًا بداية رحلته بين وجع الغربة وحنين الوطن، وفي الوقت ذاته كان ناصر ينظر لمن عادوا من الغربة يحملون ملابس جديدة، وساعات، وكماليات لم تكن مألوفة، ثم سرعان ما استطاعوا الزواج، وبناء بيوت بسيطة، وتحسين أوضاع أسرهم وكان ذلك في نظر المجتمع آنذاك علامة النجاح الكبرى.

لكن ناصر كان يعلم أن الطريق لم يكن سهلاً، فمن سبقوه حكوا له عن المعاناة اليومية في الأعمال اليدوية الشاقة، في مهن البناء، أو الورش، أو الموانئ، أو شركات الطرق، أو الزراعة أو صيد الأسماك، فهذه المهن تتطلب قوة، وجلَد، وصبر طويل، ولا يتحملها إلا من دفعه الفقر والواجب لأن يصمد، ومع ذلك لم تغب الفرص تمامًا، فـبعض المحظوظين التحقوا بالوزارات، أو بشركات النفط الناشئة، وبدأوا طريقًا أكثر استقرارً، ومع كل يوم يمر كانت تلك التجارب تُشكّلهم، وتفتح أعينهم، وتُغذي في داخلهم حلم الغد الأفضل، وهم يحملون في قلوبهم حنينًا للوطن، وعلى أكتافهم مسؤولية أسر تنتظر خبراً سعيدًا من بعيد.

وهكذا، بدأت قصة ناصر بين الغربة والنجاح، بين الغياب والحضور، بين الحنين والإنجاز، فناصر لم يكن مصيره كغيره من المسافرين، بل رعته عناية الله، ثم دعوات والده الصادقة بالتوفيق، فكان التوفيق حليفه منذ اللحظة الأولى. التحق بأول عمل له في ديوان دولة البحرين في مهنة سائق، وهناك لفت الأنظار بسرعة، ليس فقط بإتقانه للعمل، بل بسلوكه الرفيع، وذكائه، وأدبه الجم، حتى أصبح محط احترام الجميع من الشيوخ وأسرهم، وكل من تعامل معه.

هذا التميز لم يمر دون أن يُلاحظ، فقد أُعجب به الشيخ خليفة بن محمد آل خليفة، لما رأى فيه من أمانة، ونشاط، وتفانٍ، فأمر بنقله للعمل في قصره الخاص، حيث أصبح أقرب لهم، ونال ثقتهم ومحبّتهم. وهكذا بدأت ملامح النجاح تتشكل في حياة ناصر، وبدأت ملامح الغربة تتحول إلى فرصة حقيقية لتحقيق الذات، ورد الجميل لأسرته ووطنه.

في قصر الشيخ خليفة بن محمد آل خليفة، حيث كان ناصر يعمل ويقيم، قادت الأقدار قلبه للقاء إنسانة شعر نحوها بارتياح خاص، تطورت العلاقة في هدوءٍ واحترام، حتى شاء الله أن يتزوجا عام ١٩٦٧م، وفي العام التالي رزقا بأول أطفالهما، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة من حياة ناصر، جمعت بين الاستقرار الأسري والعمل الراقي. ولأنه قضى سنوات طويلة في العمل بالبحرين، فقد اختلف مساره عن كثير من زملائه ممن كانوا يعودون إلى أوطانهم بعد سنة أو سنتين، أما ناصر، فقد اعتاد حياة القصور والراحة، ولكنه ظل يحمل في قلبه حنينًا لعُمان وأهله.

وفي إحدى الإجازات، عاد إلى “الغليل” في ولاية السويق، حيث احتضنته العائلة بعد سنوات الغياب. وهناك، بادر والده بتزويجه من ابنة عمه سالم بن مكتوم، التي لم تتجاوز الحادية عشرة من العمر إلا بقليل، زواج جاء بدافع العادات والتقاليد، لا عن توافق فلم يُكتب له النجاح. وبعد فترة قصيرة، عاد ناصر إلى البحرين، حيث بيته وعائلته واستقراره.

مرت الأيام، وجاء عام ١٩٧٠م، ومعه تولى السلطان قابوس بن سعيد رحمه الله الحكم في عمان، فـغمرت الفرحة أبناء الجاليات العمانية في الخليج، ومنهم ناصر، الذي تلقى التهاني من الأسرة الحاكمة في البحرين، وكان من بينهم من قال له: *”سيأتي وقت يتمنى فيه كل إنسان لو كان معه جواز عماني.”* كلمات ظلت ترنّ في ذهنه، يتأملها، ويتساءل: كيف ومتى؟

في لحظة تأمل ومراجعة لمسيرة عمر طويلة، أدرك ناصر أن الحياة التي قضاها في القصور والعمل المرموق، رغم ما فيها من مكانة اجتماعية وتشريف يحلم به كثيرون من أقرانه، لم تثمر ماديًا كما كان يأمل، مرت عدة سنوات وهو يعمل بجد، وزوجته إلى جانبه، إلا أن تواضع الدخل لكليهما لم يسمح لهما بتكوين أساس مادي قوي يضمن مستقبل أسرتهما وأطفالهما.

وبعد تفكير عميق ومشاورات بينه وبين زوجته، اتخذا القرار الأصعب: أن يتركا هذا العمل المرموق، بكل ما فيه من راحة واستقرار نسبي، ويبحثا عن فرصة جديدة في بلد آخر توفر دخلًا أفضل وأفقًا أوسع.

فكانت الوجهة القادمة هي دولة قطر، التي بدأت آنذاك تشهد نموًا اقتصاديًا متسارعًا، وارتفعت فيها فرص العمل والرواتب، مما جعلها مقصدًا لمن يبحث عن تحسين وضعه المعيشي.

وهكذا، طوى ناصر صفحة، وفتح أخرى، مدفوعًا برغبة صادقة في بناء مستقبل أقوى لأسرته، وحياة تليق بتعب السنين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights