مقالات صحفية

أليس منكم رجل رشيد

د. محمد بن أحمد بن خالد البرواني
محمد للاستشارات الإدارية والتربوية والتدريب
[email protected]

نتيجة للتطور السريع في مجتمعاتنا، مما جعل العالم قرية صغيرة يتم فيها التواصل في كل ثانية بشكل متسارع، باتت العلاقات الإنسانية بين الأفراد أكثر تداخلاً، فظهر فيها الصراع والاختلاف. وكل ذلك يتطلب منا كأفراد أن نتصف بالروية والرشد في علاقاتنا وتعاملاتنا، سواء في الطريق أو البيت، أو في حالات الاختلاف والنقاش وغيرها؛ إذ إن هذه التعاملات قد تصل إلى مستوى عالٍ من الضغوط التي تؤثر على حياة الأفراد وإمكاناتهم وسبل عيشهم. لذلك فإن الاتصاف بالرشد أصبح حاجة مهمة وملحّة، تستدعي من الأفراد التحلي بها والتدرّب عليها، لما لها من دور في تحسين علاقاتهم مع الآخرين، إضافة إلى القدرة على ممارسة هذه القيمة القرآنية العظيمة مع الأسرة والمجتمع.

وللحديث عن ذلك، نتطرق إلى مفهوم الرشد؛ إذ يُعَدّ من المفاهيم القرآنية العميقة التي تتجاوز حدود الذكاء أو الفطنة العابرة، ليعبّر عن حالة من اكتمال الوعي، وسلامة الإدراك، واستقامة السلوك. وقد وردت في القرآن الكريم إشارات متعددة إلى الرشد، من أبرزها قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾ (سورة هود: 78)، وهي صيحة تحمل في طياتها معنىً أخلاقيًا وتربويًا بالغ الدلالة، إذ تستنهض في الإنسان عقله وضميره ومسؤوليته.

إن الرجل الرشيد في المنظور القرآني ليس مجرد شخص يمتلك قدرة عقلية، بل هو إنسان يجمع بين العقل، والحكمة، والإيمان، وحسن التصرف. فالرشد حالة متكاملة تتجلى في الفكر والسلوك والمواقف.

ويتصف الرجل الرشيد، وفق القرآن الكريم، بعدة صفات، منها: سلامة العقل، وحسن التقدير، بعيدًا عن الاندفاع أو الانقياد للأهواء. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾ (سورة الأنبياء: 51)، وفي هذه الآية دلالة على أن الرشد نعمة ربانية تتصل بصفاء التفكير، ونضج الرؤية، وحسن الاختيار.

ومن صفات الرشد التمييز بين الحق والباطل، وهي سمة جليلة يستطيع من خلالها الإنسان إدراك الفارق بين طريق الهداية وطريق الضلال. يقول سبحانه: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (سورة البقرة: 256)، أي أن الرشيد هو من يرى الحق واضحًا فيتبعه، ويبتعد عن مواطن الزلل والانحراف.

كما أن الاستقامة في السلوك صفة من صفات الرشد، فهي ليست فكرة ذهنية مجردة، بل التزام عملي بالمنهج القويم؛ فالرجل الرشيد يتجلى رشده في أفعاله واستقامته على المبادئ والقيم، بعيدًا عن التناقض أو التقلب.

ومن صفاته أيضًا الحكمة في اتخاذ القرار؛ حيث يتجلى الرشد في القدرة على اتخاذ قرارات متزنة، مبنية على النظر والتبصر. فالرشيد لا يتعجل، ولا ينساق خلف العاطفة أو ضغط الواقع، بل يوازن بين العواقب والنتائج.

كما أن تحمل المسؤولية والأمانة من صفات الرشد؛ فقد جعل الله الرشد معيارًا للنضج وتحمل المسؤولية، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ (سورة النساء: 6)، حيث ارتبط الرشد بالأمانة وحسن التصرف، مما يدل على أن الرشد يتضمن الاستقلالية والنضج العملي.

ويظهر الرشد كذلك في قدرة الإنسان على مقاومة الفساد، وعدم الانقياد للأغلبية إذا انحرفت؛ فالرشيد يزن الأمور بالحق لا بالكثرة، ويحتكم إلى المبادئ لا إلى الأهواء، من خلال ثباته أمام الانحراف الجماعي.

يتضح من خلال التأمل في الآيات القرآنية أن الرجل الرشيد هو إنسان متوازن في عقله، مستقيم في سلوكه، حكيم في قراراته، أمين في مسؤولياته، ثابت على الحق. والرشد بهذا المعنى ليس صفة فطرية فحسب، بل هو مسار يُبنى بالعلم، ويُهذَّب بالإيمان، ويُصقل بالتجربة.

إن المجتمعات إنما تسمو برجالها الرشداء، الذين يجمعون بين وضوح الرؤية ونقاء الضمير، وبين الحكمة والعمل، فيكونون عناصر إصلاح وبناء واستقرار.

لغات أخرى – Translate

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
Verified by MonsterInsights