العصابة المدللة: قراءة في وظيفة الكيان الصهيوني كأداة لقاتل مأجور

سليمان بن حمد العامري
ما يُدفع في هذا العصر لبعض القوى الكبرى لا يختلف كثيرًا عن دفع الأجر لقاتل مأجور. قد يبدو هذا توصيفًا قاسيًا، لكنه الأقرب إلى الحقيقة حين يُستثمر المال في صفقات سلاح ضخمة، وقواعد عسكرية أجنبية، وفي صمت دولي مريب مقابل خدمات معينة. أما القاتل المأجور الفعلي، فهو المشروع الصهيوني الذي يؤدي المهام القذرة نيابة عن الآخرين، ويخوض الحروب التي لا يرغب غيره في التورط فيها علنًا، معتمدًا على غطاء دبلوماسي وإعلامي مخادع.
كل ذلك يكشف عن طمع قديم وجشع مستمر في خيرات هذه المنطقة. تُستنزف الثروات، ويُرهن القرار، ويُباع الأمن تحت مسميات زائفة كالتحالفات والشراكات الاستراتيجية، فالشعوب وحدها تدفع الثمن من دمها وكرامتها واستقلالها. تُساق هذه الشعوب إلى أوهام الأمان، وهي لا ترى إلا فوضى تتوسع، وخرائط تتمزق. أرضٌ تُنهب تحت غطاء من المبررات المصنوعة.
وفي وسط هذا التزييف، لا يُغفل دور الأدوات الناعمة في تثبيت الرواية المزوّرة. فالسينما، التي تبدو للوهلة الأولى بعيدة عن الواقع، ما هي إلا جزء من آلة الدعاية السياسية. ما يُعرض على الشاشات ليس خيالًا بريئًا، بل كثيرًا ما يكون انعكاسًا مقصودًا لنوايا سياسية، ورسائل تُزرع في اللاوعي الجماهيري: يظهر الجندي البطل من جهة، ويُشوَّه المقاوم من جهة أخرى، فتُبنى صورة مقلوبة تُبرر كل عدوان، وتُدين كل مقاومة، وتُرسّخ مفاهيم مغلوطة عبر التكرار.
الكيان الصهيوني لم ينشأ كدولة مستقلة بمشروع ذاتي، بل أُنشئ بعناية كأداة وظيفية تؤدي دورًا مرسومًا ضمن مشروع استعماري أكبر. طُور وفُعل ليقوم بالمهام العدوانية بالوكالة، ويتحمل اللوم بدلًا عن القوى الكبرى، فتبقى تلك القوى بعيدة عن المشهد، نظيفة الواجهة، كما تقتضي السياسات الاستعمارية الكلاسيكية التي تُفضل البقاء في الظل، وتُدير المشهد بأدوات غير مباشرة، بأسلوب غول لا يظهر، لكنه ينهش.
فهذا الكيان ليس دولة بالمعنى الحقيقي، بل بنية من العصابات الأمنية والعسكرية، تتحرك بإشارات خارجية، وتبث الفوضى في كل الاتجاهات. لا تكاد تنطفئ نار حرب حتى تُشعل أخرى جديدة: في جنوب بلاد الشام، ثم العراق، ثم غزة، فاليمن، واليوم في محيط إيران وخليجها. إنها سلسلة من الحرائق لا تنتهي، تغذيها أجندة الهيمنة وتستثمرها مصالح الخارج.
هنا تتضح الصورة: ما يجري ليس اضطرابًا عابرًا، ولا صراعًا محليًا، بل هو تنفيذ مستمر لحلم قديم لدى قوى استعمارية ترى في الشرق ساحة مفتوحة لصراعات لا ينبغي أن تهدأ. صراعات تُبقيها في موقع السيطرة، وتمنحها التفوق، وتُقصي شعوب هذه المنطقة عن أي فرصة للنهوض أو التحرر الحقيقي.
لكن الحقيقة لا تُخنق أبدًا. الوعي الشعبي، حين يُولد، لا يعود إلى سباته. والمقاومة، بكل أشكالها، تبقى الأمل المتجدد، والرد العملي على كل ما يُراد بنا من تشويه وضياع وخراب.



